
تمر مهنة المحاماة عالمياً بأزمة وبجملة من التحديات، يعتقد الكثيرون أنها باتت تهدد وجودها والعاملين بها. من أبرز تلك التحديات الذكاء الاصطناعي الذي تمكن بدقة وسرعة ونجاعة من استبدال الكثير من المهام التي يقوم بها المحامون، وشركات تدقيق الحسابات الكبرى التي شرع معظمها بفتح أقسام لتقديم الخدمات القانونية تنافس مكاتب المحاماة. إلا أن أحد أكبر التحديات التي تواجه مهنة المحاماة يبقى صعوبة استقطاب واستبقاء المواهب القانونية الفذة من المحامين والمحاميات.
يشير تقرير صدر في العام 2022 عن اتحاد المحامين العالمي أنه، وبحسب استطلاع تم إجراءه، فمن المتوقع أن يقوم أكثر من نصف المحامين الشباب بتغيير مكان عملهم خلال السنوات الخمس التالية لصدور التقرير. وأدهى من ذلك، فإن أكثر من 20% من المحامين والمحاميات ممن تم استطلاع آراؤهم قد أشاروا لرغبتهم بترك مهنة المحاماة بشكل كامل.
ويعزو التقرير أسباب الرغبة بتغيير مكان العمل لرغبة المحامين الشباب في إيجاد التوازن بين العمل والحياة (Work Life balance) والصحة العقلية (Mental Health)، أو بهدف الحصول على راتب أعلى. وقد ذكر نحو 60% من المستطلعة آراؤهم، وخصوصاً من المحامين دون سن ال 25، أن خلق التوازن بين الحياة والعمل (Work- Life Balance) هو أمر ذو أهمية كبيرة لديهم. ورأى نحو 54% من المستطلعة آراؤهم أن خلق ترتيبات عمل مرنة (مثل السماح بالعمل من المنزل) من شأنه المساهمة في الإبقاء على المحافظة على مهنة المحاماة على المدى البعيد؛ ورأى 40% أن التدرب على الذكاء الاصطناعي (AI) والتكنولوجيا القانونية (Legal Technology) هو أمر حتمي لنجاحهم في المستقبل.
وتشير تلك النتائج إلى مدى تأثير التوتر والضغط النفسي الذين يرافقان مهنة المحاماة على المشتغلين بها، وعلى نظرتهم إليها كمنهاج حياة. كما تشير إلى تغير جذري في أولويات واهتمامات المحامين الشباب. ففي حين لم تمانع الأجيال السابقة من المحامين العمل لساعات طويلة في المكتب بهدف الحصول على الترقية وزيادة الراتب أو الوصول لمرتبة الشريك في المكتب، فإن ما يجذب المحامين الشباب اليوم أكثر هو ترتيبات العمل المرنة، وبيئة العمل المريحة والمساندة، ناهيك طبعاً عن الأجر، الذي ما زال يشكل عنصراً رئيسياً لجذب أو إقصاء المهارات القانونية.
عليه، وحتى تتمكن مكاتب المحاماة في منطقتنا من استقطاب واستبقاء أمهر المحامين والمحاميات، وحتى يكتب لها التطور والتقدم، لا بد من أخذ تلك العوامل بعين الاعتبار؛ وأصبح لزاماً على مكاتب المحاماة خلق بيئة عمل مريحة وداعمة لا تركز فقط على الربحية وزيادة الإيرادات، بل تراعي أيضاً رفاهية وتطور المحامين والمحاميات العاملين فيها… وهم الذخر الأكبر لكل مكتب محاماة. هذا الاهتمام وتلك المراعاة قد تبدو مكلفة في بادئ الأمر، إلا أنها على قدر كبير من الأهمية، ليس فقط لأهميتها المهنية والأخلاقية والإنسانية، بل أيضاً لأنها ستؤدي على المدى البعيد لاستقطاب أفضل الكفاءات لمكتب المحاماة، وبالتالي الوصول لموكلين/عملاء راضين، مما يؤدي بالنتيجة لزيادة الربحية.
في مكتبنا – كمال ومشاركوه – محامون ومستشارون قانونيون، نؤمن أن الاستثمار في الموارد البشرية للمكتب، من محامين وإداريين، هو أساس النجاح. لذلك، عملنا على بناء ثقافة مؤسسية تقوم على المرونة، ودعم التطور المهني، وعمل كل ما يمكن عمله من أجل راحة الزملاء والزميلات من المحامين والإداريين. هذه الرؤية ليست خياراً إضافياً بل جوهر عملنا، لأنها السبيل الأنجع لتقديم خدمات قانونية عالية الجودة لعملائنا وضمان مستقبل مستدام للمهنة.
راسم كمال
