Skip to main content

 

شهدت مهنة المحاماة عالميًا في السنوات العشرة الأخيرة توجهات جديدة باتت تغير شكل ومضمون المهنة الكلاسيكية، والتي يتميز أعضاؤها حول العالم بكونهم من أكثر فئات المجتمع محافظةً ورفضا للتغيير. فمنذ عقد ونصف تقريبًا، بدأ الحديث عن الأثر الذي سيتركه الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) على مهنة المحاماة والمشتغلين فيها. ففي مؤلفه الذي صدر في العام 2008: (نهاية المحامين؟ إعادة التفكير بطبيعة الخدمات القانونية) (The End of Lawyers? Rethinking the Nature of Legal Services)، طرح المؤلف البريطاني ريتشارد ساسكيند على المحامين ضرورة التفكير بالتحدي القادم لهم، وهو أن الذكاء الاصطناعي سيمكن الشركات الكبرى وغيرها من الموكلين من الاستغناء عن قدر كبير من خدمات مكاتب المحاماة، عن طريق الاستعاضة عنهم ببرامج تكنولوجية بوسعها أداء ذات عمل المحامي بنحو أسرع، وأكثر دقة وأقل تكلفة. فعلى سبيل المثال، بوسع البرمجيات الحديثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي اليوم صياغة العقود، وقراءة ومسح (scan) عشرات بل مئات الصفحات من العقود أو التشريعات أو الأحكام القضائية خلال ثوانٍ أو دقائق على أبعد تقدير، واستبساط المهم منها، وتقديمه للمستخدم، بينما يستغرق هذا الأمر من المحامي البشري أيام أو أسابيع عادة، بل إن البعض ذهب إلى أن دور المحامي في المستقبل سينحصر في العمل على إدارة تلك البرامج الإلكترونية وتقديم النتائج للموكل منها، عوضاً عن إنجاز العمل القانوني ذاته. إثر ذلك، جادل الكثيرون أن عدد المحامين الذيم سيحتاجهم العالم مستقبلًا سيقل كثيرًا عن العدد الموجود اليوم.

بالتوازي مع ذلك، بدأ رياديو التكنولوجيا بتطوير برمجيات قانونية تساعد المحامين والمشتغلين بالقانون على إنجاز أعمالهم بفاعلية وكفاءة. وبات هذا القطاع الناشئ يسمى بقطاع تكنولوجيا القانون (Legal Tech)، وهو قطاع يحتذي حذو قطاع التكنولوجيا المالية (Fin Tech) الذي سبقه بنحو عشر سنوات، والذي تخصص بتطوير تكنولوجيات المال، مثل برامج تحويل الأموال، وتطبيقات الدفع، وبرامج الاستثمار وغيرها. بل تم إنشاء صناديق استثمارية عالمية بملايين الدولارات تختص بالاستثمار بالشركات الناشئة العاملة بقطاع تكنولوجيا القانون

ومع انتشار جائحة الكورونا في العام 2020 وما بعدها، اتجه الجهد العالمي نحو أتمتة القضاء ومهنة المحاماة أسوةً بالمهن الأخرى في تلك الفترة، فأصبحت الكثير من الدول (بما فيها كثير من الدول العربية) تسمح بإجراء المحاكمات عن طريق برامج الاتصال المرئي (مثل زووم وغيرها)، مما مكّن المحامي والقضاة وأطراف الدعوى (وحتى الشهود في بعض الأحيان) من السير بالدعوى من مكاتبهم بل من بيوتهم. بل إن كثيرًا من مكاتب المحاماة العالمية التي كانت تشغل مكاتب كبيرة تعجّ بالعشرات أو حتى المئات من المحامين والموظفين أصبحت مقفرة، على الرغم من زيادة حجم العمل لدى تلك المكاتب خلال فترة الجائحة.

وعلى الرغم من أن ظاهرة العمل من المنزل (Work from Home) قد انحسرت في معظم دول العالم أو تقلصت، بحيث أصبحت معظم مكاتب المحاماة الكبرى في العالم تلزم محاميها بالتواجد في المكاتب لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع على الأقل، إلا أن تحول الكثير من الإجراءات القانونية والقضائية إلى العالم الإلكتروني لم ينحسر، بل زاد وتوسع. ففي المملكة العربية السعودية مثلًا، لم يعد يلزم لمن يرغب بتوقيع وكالة ما التوجه لمبنى المحكمة أو حتى لكاتب عدل خاص لإتمام ذلك، بل بإمكان الشخص توقيع أي وكالة (أو إلغائها) بواسطة هاتفه المحمول. وتكون تلك الوكالة صحيحة ومعترف بها أمام الجهات الرسمية وصالحة لإجراء التصرفات القانونية بواسطتها. وقد تزامن هذا التطور مع سن/تفعيل تشريعات الصفقات الإلكترونية والتواقيع الإلكترونية في المملكة. كما أصبحت المرافعات وجلسات المحاكم السعودية تعقد إالكترونيا ايضاً من خلال تقنيات الإتصال المرئي. أما في ماليزيا، فقد تمت أيضاً أتمتة معظم الإجراءات القضائية منذ جائحة الكورونا، بحيث أصبح المتقاضون قادرون على إقامة الدعوى بشكل إلكتروني، والتقاضي افتراضيًا، وبحيث يصدر القضاة أحكامهم إلكترونيًا ويمهرونها بتوقيع إلكتروني. وللطرف الذي لم يرتضِ بالحكم الطعن به عن طريق الاستئناف إلكترونيًا أيضًا. وكذا الحال في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي أعلنت في العام 2021 أن أكثر من 80% من جلسات المحاكم ستعقد افتراضيًا (أونلاين). وقد حذت كثير من دول العالم حذو تلك البلدان نحو أتمتة إجراءات التقاضي. وقد مكّنت هذه الإجراءات والتشريعات التي تستند إليها في تلك البلدان مرفق القضاء من الاستمرار في توفير خدمات التقاضي للمتقاضين بفعالية ودون إبطاء على الرغم من القيود الصارمة التي فرضتها الدول على الحركة أثناء الجائحة.

في الفترة الأخيرة، ومع التطور التكنولوجي المذهل في العالم، وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي وتغلغلها في شتى القطاعات، وانتشار العوالم الافتراضية مثل الميتافيرس (Metaverse)، بدأت حقول جديدة بالقانون تطفو على السطح، لم يكن لعاقل أن يتصور وجودها أو إيلائها أي أهمية قبل سنوات سوى في روايات الخيال العلمي. وعالم الميتافيرس هو عالم افتراضي بشكل كامل، يتسطيع الشخص من خلاله عيش حياة افتراضية، بحيث يمكن له شراء عقار مثلا والإستثمار والدخول في صفقات تجارية والتعرف على أناس جدد، وإقامة علاقات معهم، وغيرها من جوانب الحياة. إثر ذلك، بدأ المشتغلون بالقانون في كثير من البلدان بوضع تشريعات تحكم الحياة في العالم الافتراضي، بل وعقدت ورشات العمل والمؤتمرات لمناقشة وايجاد حلول لآليات حل النزاعات في عالم الميتافيرس، وأخرى حول الفن الرقمي (Digital Art) والأحكام القانونية التي تنظمه.

وقد جاء هذا كله مع نمو وانتشار ظواهر وأدوات مالية واقتصادية جديدة وتغلغلها في الاقتصاد العالمي، مثل العملات الرقمية (Cryptocurrency) كالبيتكوين وغيرها من العملات، وسلسلة الكتل (Blockchain). فعلى صعيد سلسلة الكتل، انتشرت في السنوات الأخيرة وحدة بيانات جديدة تسمى الرمز غير القابل للإستبدال (Non-Fungible Token – NFT)، والتي يمكن استخدامها في مجالات متعددة منها الفن الرقمي (Digital Art) والألعاب والعوالم الإفتراضية والموسيقى والملابس وحتى الإحتجاجات السياسية. وقد قدرت مبيعات الرموز غير القابلة للإستبدال في العام 2022 بأكثر من 24 مليون دولار أمريكي. وقد عمدت الكثير من الدول مؤخرا (بما فيها دولة الإمارات العربية المتحدة) لتنظيم هذا القطاع وتحديد الجهات الرقابية عليه.

التطور هو سنة الحياة، والتكنولوجيا ليس لها حدود. ولا ريب ان فلسطين، كما أغلب البلدان، قد اجرت تغيرات مختلفة في قطاع العدالة للاستفادة من التقنيات الحديثة، سواء عبر اعتماد التوقيع الالكتروني او عبر الاعتراف بوسائل الدفع الالكتروني وتنظيمها. لكن على الرغم من ذلك، تعتبر تلك التحولات تحولات ضئيلة ولا تستفيد بالشكل المطلوب من التقنيات الحديثة. وحتى تستطيع فلسطين وغيرها من بلدان المنطقة النهوض إقتصاديا، وحتى تصبح جاذبة للإستثمارات أو على الأقل محافظة على الإستثمارات الصامدة في الوطن، يجب أن تشهد ثورة تشريعية وقضائية وإدارية للحاق بركب التطور التكنولوجي والرقمي في الحقل القانوني. وتشمل الخطوات التي يمكن الشروع بها فوراً لمواكبة التطورات الأخيرة، ولتسهيل بيئة الأعمال للقانونيين والمستثمريين ومستخدمي قطاع العدالة بشكل عام:

1. تعديل التشريعات الإجرائية بحيث تسمح بإجراء معظم (إن لم يكن جميع) الإجراءات القضائية إلكترونيا، وعلى الأخص التباليغ، وتقديم البينات الخطية، وتقديم المرافعات الخطية، وإصدار الحكم القضائي، والطعن بالحكم بالإستئناف والنقض، وطرح الحكم للتنفيذ، ومتابعة الإجراءات أمام دائرة التنفيذ. فكل هذه الإجراءات يمكن تنفيذها إلكترونيا دون الحاجة للتوجه للمحكمة، مما سيسهل الأمر على القضاة والمحامين والمتقاضين، ويخفف من العبء الشديد الذي يثقل كاهل مباني المحاكم حاليا، ويحقق النتيجة المرجوة من الوصول لمرفق قضاء يحقق العدالة الناجزة والفاعلة والسريعة.

2. كما يجب سن وتفعيل التشريعات والأدوات اللازمة لاعتماد الصفقات الإلكترونية (Electronic Transactions) ولاستعمال واعتماد التوقيع الإلكتروني (Electronic Signature) والتوقيع الرقمي (Digital Signature) والختم الإلكتروني (Electronic Seal)

3. بالموازاة مع ذلك، يجب العمل على رفع معرفة ومهارات القضاة والمحامين والعاملين بمرفق القضاء بالتكنولوجيا لتمكينهم من التحول من النظام الورقي القائم على الحضور الشخصي للمحكمة إلى النظام الإلكتروني الرقمي، وكذلك زيادة معرفقتهم بالتطورات والحلول والأدوات التكنولوجية والرقمية سالفة الذكر.

4. التحول لآليات الدفع الإلكتروني بدلاً من الدفع التقليدي (كاش)، وذلك فيما يتعلق برسوم المحاكم، ورسوم كاتب العدل، والرسوم السنوية التي يدفعها المحامون لنقابة المحامين، وطوابع نقابة المحامين، ورسوم السندات العدلية، والرسوم واجبة الدفع للوزارات والدوائر الحكومية المختلفة مثل وزارة الإقتصاد الوطني وسلطة الأراضي ودائرة ضريبة الأملاك. ومن الممكن أن يكون التحول إختياريا في البداية، بحيث يفسح المجال للدافع بأن يدفع نقدا أو بطريقة إلكترونية، لمعالجة مشكلة وجود قطاع واسع من الشعب لا يملك أي وسيلة إلكترونية للدفع. كما يمكن أن تشمل وسائل الدفع (بالإضافة للنقد)، الدفع بواسطة بطاقة الاعتماد، والدفع الإلكتروني من خلال الموقع الإلكتروني للجهة المعنية (أونلاين)، ناهيك عن تتطبيقات الدفع المختلفة على الهواتف المحمولة وغيرها.

5. توجه المحامين للاستفادة من برمجيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بمهنة المحاماة. كما ينبغي على مطوري تلك البرامج السعي لتطوير برامج تستهدف مكاتب المحاماة العربية والعاملين بالقانون العربي بشكل عام. وبالإضافة لمساهمة ذلك في تطوير مهنة المحاماة في فلسطين والعالم العربي بشكل عام، فقد تشكل تلك البرمجيات فرصة إستثمارية ربحية للشركات التي تقوم بتطويرها، بالنظر لندرة برامج تكنولوجيا القانون القابلة للإستعمال باللغة العربية. كما من شأن ذلك ايضا تمكين المحامي والمشتغلين بالقانون من تسخير تلك البرمجيات لتنفيذ الأعمال القانونية التي تستغرق وقتا وجهدا طويلين، بينما يركزوا جهودهم على المهمات ذات القيمة الأعلى والتي ستعود على الأغلب بعائد مالي أعلى عليهم.

6. لا تسطيع الجهات التشريعية المختصة استمرار تجنب التكنولوجيا وافتراض عدم وجودها. فمن غير المجدي تجاهل التطورات في مجال العملات الرقمية (Cryptocurrency) وسلسة الكتل (Blockchain) والتوقيع الإلكتروني (Electronic Signature). ومما لا شك فيه أن تنظيم تلك القطاعات المثيرة للجدل هو أفضل من الإكتفاء بتجاهل وجودها أو تجريمها، سيما وأنها بطبيعتها عابرة للحدود، ومن غير الممكن تجاهلها.

قد يواجه الأمر بعض المعارضة في بدايته وهذا أمر طبيعي. عندما بدأت مسيرتي المهنية كمحام يافع قبل أكثر من عشرين عام، كان كتبة المحاكم يكتبون محاضر/ضبوط الجلسات بخط اليد، وكانت فكرة استعمال جهاز كمبيوتر وطابعة لطباعة تلك المحاضر تلاقي معارضة شديدة من القضاة والكتبة وحتى المحامين آنذاك، بحجة أن ذلك يستغرق وقتاً طويلاً، وأن الكتابة بخط اليد هي أسرع! وبطبيعة الحال، تعتمد المحاكم اليوم اعتماداً كلياً على أجهزة الكمبيوتر والطابعات لكتابة الضبوط؛ ولم يعد هذا الأمر يعتبر من قبيل التطور التكنولوجي بعد أن أصبح من المسلّمات.

إن العمل الحثيث باتجاه هدف التحول التكنولوجي/الرقمي في شتى القطاعات، بما فيها القطاع القانوني، هو مصلحة وطنية ستعود بالفائدة على مرفق العدالة وعلى الإقتصاد الوطني وبيئة الأعمال في فلسطين، وعلى العاملين في تلك القطاعات. ومن شأن توفر الإرادة الحقيقية لتحقيق ذلك الهدف واجتماعها مع العمل الدؤوب من قبل جميع الجهات ذات الاختصاص تحقيق ذلك. فقانون التكنولوجيا منذ بداية التاريخ واضح: إما المبادرة والتطور والتأقلم، أو التخلف عن الركب…

 

راسم كمال هو محامي فلسطيني يدير مكتب كمال ومشاركوه – محامون ومستشارون قانونيون، والذي يقدم خدمات وحلول قانونية في فلسطين والمنطقة.

Leave a Reply

Close Menu

Have a Question?

Get in touch using the following contact information:

Al-Bireh/Ramallah Office, Palestine:
Kamal & Associates, 5th Floor
Ersal Street, Amaar Towers
Al Bireh, Palestine
T: +972 2 2424460
F: +972 2 2424559
E: contact@kamallaw.com
__________
Riyadh Office, Saudi Arabia
E: riyadh@kamallaw.com
__________
Kamal America Inc.
Sterling, VA, United States of America
T: +1 (571) 551-2938
E: contact@kamalamerica.com

Copyright © 2024 Kamal & Associates

Discover more from Kamal & Associates Law Firm

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading